أبي منصور الماتريدي

521

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يصل إليه « 1 » ، ولكن يوعد بما توجبه الحكمة ، فدل أن الوعيد لازم واجب . ونحن نقول : يوعد بما توجبه الحكمة ، وقد أمهلهم بعد الوعيد ، فعلى ذلك يجوز أن يخرجهم من النار بعد ما أدخلهم النار ؛ بما ارتكبوا من الكبائر . ثم في قوله : وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ . . . الآية - دلالة نقض قول المعتزلة ؛ لأنهم يقولون : ليس لله أن يهلك قوما قد علم منهم الإيمان في وقت ، أو يكون في أصلابهم من يؤمن ؛ إذ قد كان ممن أوعد ذلك الوعيد من بعضهم الإيمان أو في أصلابهم من قد كان آمن ، فدل الوعيد لهم أنه قد يهلك من يعلم أنه يؤمن في آخر عمره ؛ إذ لا يوعد إلا بما له أن يفعل لكنه بفضله أخره إلى وقت [ وفيه ] « 2 » دلالة أن له أن يفعل بما ليس ذلك بأصلح لهم في الدين . ثم اختلف في قوله : بِظُلْمِهِمْ : قال بعضهم : هذا للكفرة خاصة . وقال بعضهم : لهم وللمؤمنين كل مرتكب زلة ؛ إذ ما من أحد ارتكب زلّة إلا وقد استوجب العقوبة بذلك والمؤاخذة به ، لكنه بفضله عفا . وقوله - عزّ وجل - : ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ . قال بعضهم : أراد بالدابة : الدابة التي خلقها لهم ، إذا أهلك الناس فقد أهلك الدواب ؛ إذ خلقه إياها لهم . وقال بعضهم : [ قوله ] « 3 » : ما ترك [ عليها من دابة ] « 4 » : أي : على ظهر الأرض من دابة ؛ لأن الدواب إنما تتعيش بالذي [ يتعيش ] « 5 » الناس ؛ فإذا هلكوا هم هلكت الدواب أيضا ؛ لما ذهب سبب عيشها . وجائز أن يكون أراد بالدابة البشر ؛ أي : ما تركهم بظلمهم ولكن يهلكهم ، وسماهم دابة لأنه إذا ذكرهم في موضع الظلم وإن كان سماهم في غير موضع بالأسماء الحسنة ، وهو كما سماهم في موضع آخر دابة ؛ حيث قال : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [ هود : 6 ] ولا شك أن البشر دخلوا في هذه التسمية ، فعلى ذلك جائز دخولهم في الأخرى ، وإن كان المراد مما « 6 » ذكر من الدابة البشر فالأنبياء والرسل إنما يكون هلاكهم بقطع نسلهم ؛ لأن الأنبياء أكثرهم ولدوا من الآباء الظلمة ؛ فإذا أهلك

--> ( 1 ) في أ : عليه . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في ب : على ظهرها . ( 5 ) في أ : إنما تعيش بالذي يعيش . ( 6 ) في ب : ما .